الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

124

مناهل العرفان في علوم القرآن

( أحدها ) أن نسخ الطلب قبل التمكن من امتثاله لا يترتب على وقوعه محال عقلي . وكل ما كان كذلك فهو جائز عقلا . ( ثانيها ) أن النسخ قبل التمكن من الفعل ، مانع كسائر الموانع التي يمنع العبد منه ، إذ لا فارق بينه وبينها يؤثر . فلو لم يجز هذا النوع من النسخ لم يجز أن يأمر اللّه عبده بفعل في مستقبل زمانه ثم يعوقه عنه بمرض أو نوم أو نحوهما ، لكن المشاهد غير ذلك باعتراف المانعين أنفسهم ، فكثيرا ما تحول الحوائل بين المرء وما أمره اللّه في مستقبله . فليجز هذا النوع من النسخ أيضا . ( ثالثها ) أن هذا النوع من النسخ قد وقع فعلا . والوقوع دليل الجواز وزيادة . ثم إن لهم على وقوع هذا النوع من النسخ دليلين : ( الدليل الأول ) أن اللّه تعالى حين حدثنا عن إبراهيم وولده إسماعيل صلوات اللّه وسلامه عليهما . قال : فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ : يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى ؟ قالَ : يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ، سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنادَيْناهُ : أَنْ يا إِبْراهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ * كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ فأنت ترى في هذا العرض الكريم ، لقصة إبراهيم الخليل وولده الذبيح إسماعيل ما يفيد أنه سبحانه قد أمر إبراهيم بذبح ولده ، ثم نسخ ما أمره به قبل أن يتمكن من تنفيذه وفعله .